ابن الأثير

299

الكامل في التاريخ

وكان هوى أسد الدين في ذلك ، وعنده من الشجاعة وقوّة النفس ما لا يبالي بمخافة ، فتجهّز ، وساروا جميعا وشاور في صحبتهم ، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين [ وخمسمائة ] ، وتقدّم نور الدين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه ، وينتقم له ممّن نازعه فيه . وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج ممّا يلي دمشق بعساكره ليمنع الفرنج من التعرّض لأسد الدين ومن معه ، فكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين ، ووصل أسد الدين والعساكر معه إلى مدينة بلبيس ، فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريّين ولقيهم ، فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوما . ووصل أسد الدين فنزل على القاهرة أواخر جمادى الآخرة ، فخرج ضرغام من القاهرة سلخ الشهر ، فقتل عند مشهد السيّدة نفيسة ، وبقي يومين ، ثمّ حمل ودفن في القرافة ، وقتل أخوه فارس « 1 » المسلمين ، وخلع على شاور مستهلّ رجب ، وأعيد إلى الوزارة ، وتمكّن منها ، وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة ، فغدر به شاور ، وعاد عمّا كان قرّره لنور الدين من البلاد المصريّة ، ولأسد الدين أيضا ، وأرسل إليه يأمره بالعود إلى الشام ، فأعاد الجواب بالامتناع ، وطلب ما كان قد استقرّ بينهم ، فلم يجبه شاور إليه ، فلمّا رأى ذلك أرسل نوّابه فتسلّموا مدينة بلبيس ، وحكم على البلاد الشرقيّة ، فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدّهم ويخوّفهم من نور الدين إن ملك مصر . وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تمّ ملكه لها ، فلمّا أرسل شاور يطلب منهم أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه ، وسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته وطمعوا في ملك الديار المصريّة ، وكان قد بذل لهم مالا على المسير إليه ، وتجهّزوا وساروا ، فلمّا بلغ نور الدين ذلك

--> ( 1 ) . أخوه ناصر . A